🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

لماذا لا يأخذ المغاربة الانتخابات بجدية؟

لماذا لا يأخذ المغاربة الانتخابات بجدية؟

هذا السؤال يتكرر في كل موسم انتخابي، ويبدو للوهلة الأولى سؤالا عابرا، لكنه في حقيقته سؤال وجودي يمس عمق الدولة والمجتمع معا. كيف لأمة يبلغ عددها عشرات الملايين أن تتخلى عن أهم سلاح دستوري بين يديها، وتترك مصيرها ومصير أبنائها رهينة التخمين والصدفة؟ الجواب لا يكمن في عدم اهتمام المواطن بشؤون بلده، فالمغربي حين يجلس في مقهى يتحدث عن السياسة ساعات طويلة، وحين يتعلق الأمر بمصلحة شخصية يقاتل من أجلها بشراسة. الجواب الحقيقي أن المواطن لم يعد يرى في الصندوق وسيلة للتغيير، بل طقسا موسميا يعاد كل خمس سنوات دون أثر ملموس على حياته. الناس لا يهربون من السياسة عبثا، بل يهربون منها لأنها لم تعد تمثلهم، ولم تعد تحميهم، ولم تعد تعكس صوتهم.

تدخل الدولة في الأحزاب: بداية الانهيار
حين تتدخل الدولة في تشكيل الأحزاب، وفي هندسة قياداتها، ورسم تحالفاتها وتوجيه مسارها، تتحول الأحزاب من مؤسسات تمثيلية إلى أدوات إدارية بلا روح ولا قرار ولا مشروع. الأحزاب الإدارية لم تولد من رحم المجتمع، بل من رحم المكاتب. قياداتها لا تفرزها ديمقراطية داخلية، بل تعينها توازنات فوقية. برامجها لا تكتب لحل مشاكل الناس، بل لتزيين الحملات الانتخابية. هكذا يموت الحزب قبل أن يولد، ويولد المواطن قبل أن يفقد الثقة. وحين يفقد المنتخب السبب في أن يهتم، لأن الصوت الذي يضعه في الصندوق لا يقرر شيئا، والحكومة الخارجة من الانتخابات لا تملك صلاحيات حقيقية، والبرلمان لا يشرع للبلاد بل يشرع لما يراد له أن يشرع، فكيف يحاسَب على استهتاره بانتخابات لم تعد في يده أصلا؟

حزب العدالة والتنمية: نموذج التناقضات القاتلة
حين كان الحزب في الحكومة، وقع اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل. وحين خرج إلى المعارضة، أصبح يعتبر هذه الشراكة غير صالحة للمغرب والمغاربة. ليست المسألة قضية رأي في الموضوع بحد ذاته، وإنما قضية مبدأ. حزب واحد يقول للشيء الواحد قولا مختلفا بحسب موقعه من الكرسي، هذا ليس اختلافا في الرؤية، بل استخفاف صريح بعقل الناخب. فإذا كان الحزب الذي قال للناس إنه يمثلهم يقلب مواقفه كما تقلع الريح ورقة شجرة، فلماذا يلام من يقول إن هذه السياسة مسرحية لا قناعة؟

الاتحاد الاشتراكي: من حزب تاريخي إلى حزب فرد واحد
حزب كان يوما ما مدرسة سياسية، مصنعا للنخب، قوة اقتراحية، صوتا للطبقات الشعبية، تحول مع الوقت إلى حزب إداري بامتياز، راكم قوة شخص واحد في قمته، وتحولت أجهزته إلى آلية للولاء الشخصي لا للعمل السياسي. الكوادر رحلت، والأطر انسحبت، والمناضلون صمتوا، ولم يبق فيه ما يشبه الحزب سوى الاسم والبناية والعروض الانتخابية. حين يموت الحزب، يموت جزء من الديمقراطية.

أحزاب أخرى: من مطبخ السلطة إلى صناديق الاقتراع
عدد لا يستهان به من الأحزاب لم يولد في قلب الجماهير ولا من صراع المصالح الشعبية، بل ولد في المطبخ السياسي للدولة، وظل يتنفس بأكسجينها ويتحرك بإشاراتها. حزب بلا جذور بين الناس لا يمثل مصالحهم، ومع ذلك يطلب أصواتهم كل أربع أو خمس سنوات في موكب انتخابي يكلفهم ملايين الدراهم من ميزانية عمومية يفترض أنها لخدمتهم. كيف يمكن لمثل هذه الأحزاب أن تقنع المواطن بأنها تدافع عنه، وهي لا تملك قرارها أصلا؟

النتيجة: موت بطيء للسياسة وولادة سوق انتخابي
هذا الموت البطيء للسياسة، مقترنا بوعود كاذبة تكررت حتى صارت كلمات مفرغة من معناها، أنتج في المجتمع ثلاثة سلوكات مدمرة. شريحة واسعة عزفت عن المشاركة أصلا، وأقرت بصمت أن ما يحدث لا يعنيها. شريحة أخرى أدركت أن الصوت سلعة تباع وتشترى، فصار من يبيعه ينتظر من يرفع السعر، ومن يشتريه يمارس الابتزاز بكامل وقاحته. وشريحة ثالثة تحولت إلى حرفة الانتخابات، تتنقل من حزب إلى حزب ومن قائمة إلى قائمة، تبيع صوتها وصوت جيرانها وأقاربها بأعلى سعر، حتى صار الناخب تاجرا والمرشح تاجرا والحزب تاجرا، والخاسر الوحيد هو الوطن الذي يباع في المزاد بأبخس الأثمان. وتحولت العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى مبارزة تحايل، كل طرف يخدع الآخر، والدولة تراقب الجميع وتعرف أن الجميع يراقبها، وفي آخر المطاف لا يفوز أحد.

حين تموت السياسة يولد الفساد
غياب الثقة في المؤسسات لا يبقى محصورا في السياسة، بل ينتشر في كل شيء. فساد سياسي، وفساد أخلاقي وديني يتغذى عليه، وانتشار للمخدرات في صفوف الشباب الذي يرى أن مستقبله لا يتحدد بصوته ولا بجهده ولا بكفاءته، فيبحث عن مخرج في أي اتجاه كان. عنف أسري، وطلاق، وتسول، ونميمة، وحقد وكراهية، ومحاكم مكتظة بقضايا النصب والاحتيال، كلها مؤشرات مجتمع يعيش أزمة ثقة قبل أن يعيش أزمة اقتصاد. ثقافة عامة تعتقد أن الجميع يكذب وأن الجميع يسرق وأن من لا يحتال يُحتال عليه.

التصويت الصامت: الهروب إلى الخارج
في ختام هذه الدوامة، يجد الوطن نفسه أمام مشهد مأساوي. الأغلبية لا تبحث عن حل داخلي بل تحاول الهروب إلى الخارج، فالأطباء والمهندسون والطلبة والشباب المتعلم يحزمون حقائبهم إلى أوروبا وكندا وكل مكان يعدهم بالكرامة التي لم يجدوها في بلدهم. بلد يصرف على تعليم أبنائه ليعملوا في خدمة غيره، ثم يشتكي من نقص كفاءاته التي طردها بيده. وهذا الهروب الجماعي ليس حبا في الغربة، بل تصويت صامت آخر ضد وضع لم يعد يحتمل، تصويت يتم في مطارات المملكة كل يوم دون صندوق ولا أوراق.

الخلاصة
المغاربة لا يستهترون بمستقبلهم، بل فقدوا الإحساس بأن الانتخابات تصنع المستقبل. لا يتهاونون في مصيرهم، بل يرون أن مصيرهم لا يتغير مهما صوتوا. لا يعزفون عن السياسة، بل يعزفون عن مسرحية اسمها السياسة. فإذا سألنا مرة أخرى لماذا لا يأخذ المغاربة الانتخابات بجدية، فالجواب ليس جاحدا فيهم، وإنما جاحد فيمن جعلها مزحة. الشعوب لا تهمل مصيرها ومصير أبنائها وأحفادها إلا حين تقتنع أن هذا المصير لا يعود لها أصلا. والعكس صحيح أيضا، فحين يشعر المواطن أن صوته يغير شيئا، وحين يرى أن الحزب الذي ينتخبه يملك برنامجا وقرارا وسلطة حقيقية، وحين يحاسَب الفاسد فيجد من يحاسب معه، تعود الثقة وتعود الجدية وتعود الانتخابات إلى مكانتها التي وضعها الدستور لها.

إعادة الثقة لا تحتاج إلى خطابات، بل إلى أحزاب حقيقية، وقيادات نزيهة، وبرامج واقعية، واستقلالية في القرار، واحترام لعقل المواطن. بدون ذلك، ستظل الانتخابات مجرد موسم، وستظل البلاد تدور في الحلقة نفسها. المشكلة ليست في شعب يتهاون، بل في نظام جعل من التهاون خيارا عقلانيا، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب وطنا، لأن الوطن لا يموت دائما بالحروب الكبيرة، فكثيرا ما يموت باليأس الصامت الذي يسكن صدور أبنائه جيلا بعد جيل.